الافتتاحية

أغسطس 7, 2010

على خطى فضل الله


“وكل نفس ذائقة الموت”، ذلك الموت الذي يفقدنا الأحبة في الدنيا، لا نملك له دفعا، ونسلم معه بقدر الله وقضائه فينا، وإن أفقدنا أعز الناس وأحبهم إلينا، ها هو ذا اليوم يفقدنا حبيبنا وعزيزنا، والدنا وقائدنا، آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (قده)
أيا موت إن كان قصدك روح سيدنا، فقد خطفت روحنا فينا، فبحق الله أفجعت قلوبنا، ويا دمع أحرقت جفوننا، بلهيب فراق قائدنا، فلو مات امرؤ بعد موتك كمدا، فله كل العذر يوم القيامة غدا.
ما عساني أقول في حق سيدي؟ الذي هداني وأخذ بيدي؟ وعلمني حب الحق السرمدي، وقوة التصدي للمعتدي، فيا فضل الله إنا أبناؤك، و السائرون على خطاك، والماسكون بنهجك، يشهد رب السموات، ورب الأرض والفلوات، وفالق النسمات، إنا على الدرب ماضون، وعلى خطاك سائرون.
عرفتك ناصرا للمستضعفين، وحاضنا لليتامى والمساكين، وكهف العلم الحصين، وموحد كلمة المسلمين، أمام بغي المعتدين، لم تنحن ولم تستكن، حرمت الراحة على المؤمنين، بعد أن حرمتها عليك أيها الأمين . أقرأ باقي الموضوع »

فبراير 21, 2013

العولمة“مفهوم العولمة”

“على ضوء فلسفة التاريخ”

عصام احميدان

مدخل عام:

يكتسي الحديث عن العولمة أهمية بالغة سواء من الناحية الأكاديمية, أو من الناحية الظرفية والآنية, فمن الناحية الأكاديمية, يمثل هذا الموضوع أهمية قصوى من حيث دراسة سيرورة التحولات الجذرية التي طرأت على العالم, ومفتاح أساسي لمعرفة الميكانزمات أو الآليات التي تحكم حركة التاريخ وتمظهراتها الثقافية, الإجتماعية السياسية والإقتصادية.. وكذا لمعرفة جوهر النظام العالمي المعاصر..

ومن الناحية الظرفية والآنية, لا يختلف اثنان في ان العولمة كظاهرة أصبحت تضغط بقوة على مجمل حركة الدول الفقيرة المستضعفة, ومما لاشك فيه أيضاً ان الوعي بالواقع الموضوعي شرط أساسي لتغييره, فلا يمكننا مواجهة تحديات العولمة إلا على قاعدة الوعي والمعرفة, سواء بالأسس الفلسفية أو الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية التي قام هذا المشروع عليها..

غير أننا في هذا البحث سوف نعمل على تسليط الأضواء على اتجاه واحد, وهو: (العمق الفلسفي لمفهوم العولمة) نظراً لما يثيره هذا الموضوع من إشكاليات على صعيد التعريف بالعولمة, وكذا على صعيد المقارنة، إذ بدأنا نسمع بعض الأصوات حتى (الإسلامية) منها, تدعى بأن الإسلام نفسه دعا إلى العولمة, عندما أراد أن يخضع العالم بأسره لهذا النظام والمنهج الإلهي..

ولذلك ارتأينا توضيح هذا الموضوع, منعاً للغموض والالتباس، من خلال التركيز على المرجعية الفكرية والفلسفية للعولمة, وذلك من خلال المنهجية التالية:

المبحث الأول: قراءة نقدية في أطروحة (نهاية التاريخ).

المبحث الثاني: مفهوم (العولمة) على ضوء نهاية التاريخ.

المبحث الثالث: المنظور القرآني لحركة التاريخ.

ولا شك أن وراء هذا التصميم الذي يؤطر مسار البحث, وفق منهجية ناطقة عبر مكوناته وتقسيماته, أسباب ودوافع كامنة لا بد من ذكرها, لوضع القارئ والسامع في صلبها:

ففي البداية ارتأينا أن نستعرض الأفكار الأساسية, التي تطرحها فكرة (نهاية التاريخ) لفرانسيس فوكوياما, قصد جعل القارئ في صلب المرجعية الفكرية والفلسفية التي تحكم النظام العالمي الجديد, وتحدد طبيعة الرؤية الخاصة للولايات المتحدة الأمريكية في علاقتها بالعالم (المبحث الأول).. وبعد ذلك حاولنا استجلاء مفهموم العولمة على ضوء الإصطلاح الأجنبي والعربي, وكذا من خلال فلسفة التاريخ من المنظور الغربي وتحديداً ضمن أطروحة نهاية التاريخ (المبحث الثاني) وأخيراً, بعد ان نكون قد استوعبنا مفهوم العولمة على ضوء فلسفة التاريخ من المنظور الغربي, انتقلنا الى مستوى المقارنة, فبينا مدى اختلاف الرؤية القرآنية الرؤية القرآنية للتاريخ، عن تلك التي يحملها الغرب والتعبير عن تصوراته للمجتمع والتاريخ, وقد استهدفنا من خلال هذا المبحث التأكيد على مدى استقلالية النظرية القرآنية وتكاملها في علاقتها مع العناصر الفاعلة فيه, سواء الفرد او المجتمع (المبحث الثاني).

مفهوم فلسفة التاريخ

المبحث الأول: قراءة نقدية لأطروحة نهاية التاريخ:

لقد كان الفكر الاستراتيجي و لمدة طويلة يرتكز في تفسيره للمشاكل العالمية والصراعات الدولية, على نظرية (الصراع بين الشرق والغرب) (الشرق كدلالة على المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي, والغرب فيما هو المعسكر الليبرالي الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية) إلا أن التحولات الجذرية التي طرأت على العالم, أدت إلى بروز أزمة فكرية – استراتيجية, سميت من طرف العديد من الباحثين الغربيين (بأزمة المقروئية), ونقصد بذلك أزمة غياب مرجعية فكرية لقراءة الأحداث والمشاكل الدولية..

فانطلقت الدعوة إلى ضرورة التفكير والتأمل في طبيعة الصراع خلال المرحلة المقبلة, اعتمادا على المنهج الاستقرائي القائم على رصد الظواهر والأحداث المعاصرة, من اجل استخلاص جوهر أو عمق محوري رابط بين كل هذه القضايا.. فظهرت كتابات, يمكن تلخيصها في ثلاثة نظريات أو أربعة حسب البعض وهي:

1- نظرية الصراع شمال – جنوب:

وترجع هذه النظرية إلى المفكر الأمريكي (كريستوفر روفين), ومؤداها: أن العالم يتجه خلال المرحلة المقبلة نحو رسم خط أفقي يفصل شمال الكرة الأرضية عن جنوبها, وهو خط وهمي يعزل أمريكا الشمالية عن أمريكا الجنوبية, وأوروبا عن إفريقيا وشمال آسيا عن جنوبها, إلى درجة أن هذا الخط الوهمي يفصل الشمال الياباني المتطور والغني عن جنوبه الفقير..

وما من شك أن المعيار الأساسي الذي اعتمدته هذه المرجعية الفكرية, هو ذلك البعد الاقتصادي لا غير, فالصراع في المستقبل هو صراع مصالح اقتصادية, نشأ بشكل طبيعي عند دخول النظام الرأسمالي مرحلة جديدة من مراحل تطوره, ستنعكس سلباً على الدول الفقيرة غير القادرة على مواجهة تضخم النظام الرأسمالي واحتكاريته..

2- نظرة صراع الحضارات:

وينسبها جل الباحثين والمهتمين بهذا الحقل من حقول الفكر, الى الكاتب الأمريكي (صموئيل هنتغتون).. وان كنا لا نرى ذلك, اذ نعتقد ان أول من تطرق الى هذا الموضوع او اعتبر ان المرحلة المقبله ستندرج تحت عنوان (الصراع الحضاري) هو الخبير الدولي في علم المستقبليات د. المهدي المنجرة من خلال كتابه (الحرب الحضارية الأولى). وكذا من خلال مقالات سابقة على فترة نشر صاموئيلهنتغتون لمقالته حول (صراع الحضارات).. بل اننا نستطيع ان نقول بان الحركات الإسلامية منذ الحرب الباردة, سطرت ضمن ادبياتها ووثائقها, على ان طبيعة الصراع العالمي هو صراع حضاري شامل, سيفتح الإجتماع البشري على صعيد المستقبل على انتصار المشروع الحضاري الإسلامي..

وعموماً ترى اطروحة صراع الحضارات ان المرحلة المقبل سوف تشهد صراعات تتحرك من خلال كل أبعاد الهوية, بما فيها الثقافية, الدينية, القومية, العرقية.. وترصد هذه النظرية ظاهرة صعود الحركات الدينية سواء الإسلامية أو المسيحية أو غيرها, وكذا الحركات القومية والعرقية المختلفة في العالم..

3- حوار الحضارات:

وترجع هذه المقولة الى د. محمد خاتمي, حيث طرح أساساً جديداً للعلاقات الدولية في المرحلة المقبلة, أثناء افتتاح دورة طهران لمنظمة المؤتمر الإسلامي, وقد تم تبني هذه الأطروحة رسمياً بعد ذلك من طرف الأمم المتحدة, معتبرة ان على العالم ان يتجه الى حوار حضاري يبتعد عن كل أشكال العنف والصراط الذي لا يؤدي إلا إلى خراب الأمم واضطراب العالم..

وقد أشرت في البداية الى ان حوار الحضارات هي مقولة وليست اطروحة او مرجعية فكرية يصح الإستناد اليها في قراءة الأحداث والصراعات الدولية, لأننا هنا بصدد الحديث عن مرجعيته تفسير ما هو كائن على صعيد الواقع, ولسنا في صدد الحديث عن مقولة تريد ان تؤسس لما ينبغي ان يكون على صعيد المستقبل.. ولم نذكر هذه المقولة في هذا المجال إلا بسبب ان البعض يعتبرها اطروحة ومرجعية فكرية..

4- وهي نظرية الباحث الياباني الأصل, الأمريكية الجنسية, الموظف في وزارة الخارجية الأمريكية (فرانسيس انترست):

غير ان بعد حدوث تحولات عالمية تسير في اتجاه تدعيم اطروحته كسقوط الإتحاد السوفيتي, أعاد صياغة أطروحته بشكل موسع في اطار كتاب يحمل عنوان (نهاية التاريخ.. والأنسان الأخير)..

وتدعى هذه الأطروحة ان العالم انتهى الى صيغة نهائية لتشكيل المجتمع والدولة, كما ترى ان المحرك الإيديولوجي للصراع القديم بين الشرق والغرب قد توقف عن الإشتغال بسبب بطلان مفعول الإيديولوجيا ذاتها.

ولذلك فأن فرانسيس فوكوياما يعبرعن (نهاية الايديولوجيا) (بنهاية التاريخ) على اعتبار ان التاريخ هو مسرح لصراع الافكار والايديولوجيات, غير ان هذا الصراع يتوقف عند بديل ايديولوجي كامل ومتكامل, ويعتقد فوكوياما ان هذا البديل هو البديل الليبرالي في السياسة والثقافة والرأسمالي في الاقتصاد, وسوف نتوقف هنا من اجل رصد بعض المقولات الاساسية في اطروحة نهاية التاريخ قصد تقديم رؤية نقدية, بين هشاشة التبريرات والفلسفة التي قامت عليها هذة الاطروحة, التي تعتبر العمق الفلسفي والفكري لمفهوم (العولمة).

يقول فوكوياما بأن نهاية التاريخ ليست فكرة جديدة, فقد كان كارل ماركس يعتقد بأن اتجاه التطور التاريخي هو اتجاه غائي يتحدد بتفاعل قوى مادية, ولن يصل الى نهايته إلا بعد تحقيق اليوتوبيا الشيوعية, التي من شأنها ان تحل اخيراً, سائر التناقضات السابقة, وهو بذلك أفضل دعاتها (دعاة نهاية التاريخ)(1).

ولذلك فأن فوكوياما عمد الى توظيف الطرح الماركسي في تفسير حركة التاريخ, من اجل تدعيم مقولة نهاية التاريخ, غير ان هذا القياس كان يفتقد الى عنصر التماثل لأن اليوتوبيا الشيوعية هي نهاية التاريخ بالمنظور الماركسي, في حين ان الرأسمالية هي نهاية التاريخ بحسب دعوى فوكوياما.

ولا شك ان هذا الأخير استوعب هذا الأمر فحاول الأنتقال بسرعة الى هيغل, قصد حماية وتأمين النتائج النظرية التي يبشر بها فوكوياما ايديولوجياً, فعمل على ربط الجدلية المادية بهيغل او انقلب على ماركس, فهو في البداية يقول: (لكن مفهوم التاريخ بوصفه سيرورة ديالكتيكية ذات بداية ووسط ونهاية, كان ماركس قد أخذه من سلفه الألماني جورج فريدريك هيفل)(2) وبعد ذلك قال: (ان من سوء خط هيغل انه معروف الآن بوصفه سلف ماركس, ومن سوء حظنا نحن ان قلة مناهي المطلعة على مؤلفات هيغل إطلاعاً مباشراً, اذا لم تصلنا هذه المؤلفات إلا عبر العدسات المشوهة للماركسية)(3).

ولذلك فان مهمة فوكوياما في تخليص هيغل من المفسرين المراكسيين أمر بالغ التعقيد, ولكنه استطاع الوصول الى حلقة تفتحه بشكل مباشر على أطروحات هيغل برؤية مثالية, بالشكل الذي يخدم في النتيجة فكرة (نهاية التاريخ) بعيداً عن المضمون الشيوعي للحظة النهاية..

تلك الحلقات هي (ألكسندر كوجييف) أحد المفسرين لنصوص هيغل وفق الرؤية الفلسفية المثالية, وهو مهاجر روسي, تألق في تدريس سلسلة من حلقات البحث في باريس خلال الثلاثينيات في المدرسة العملية للدراسات العليا, وقد تخرج على يد الكسندر كوجييف تلامذة بارزين تألقوا لاحقاً, مثل جان بول سارتر عن اليسار, ورايمون آرون عن اليمين, كما ان وجودية ما بعد الحرب أخذت الكثير من مقولاتها الأساسية من هيغل عبر كوجييف(4).

وعموماً تتلخص الفلسفة الثالية لهيغل حسب كوجييف, في أن فهم السيرورات العميقة للتاريخ يستدعي فهم التطورات الحاصلة في دنيا الوعي أو الأفكار, لأن الوعي في نهاية المطاف سيبادر الى اعادة تشكيل العالم المادي على صورته هو..

ذلك لأنه بالنسبة لهيغل تكون التناقضات الأساسية التي تدفع حركة التاريخ موجودة قبل كل شيء في مجال الوعي الإنساني, أي على مستوى الفكر, ويقصد بالفكر مجموع الأفكرا بمعنى وجهات النظر العالمية الشاملة الموحدة, التي يمكن فهمها بأفضل الصور عن طريق ادراجها تحت عنوان الإيديولوجية(5) والإيديولوجية بهذا المعنى ليست محصورة بالمذاهب السياسية الدنيوية والمعلنة التي كثيراً ما نربط بينها وبين العبارة, بل تستطيع ان تشمل الدين والثقافة التي يقوم عليها أي مجتمع أيضاً. وقد عمل هيغل على رصد المشهد الإيديولوجي والسياسي في عصره, بهدف تحديد الإيديولوجية المهيمنة التي ستحكم على التاريخ الإنساني بالتوقف عندها, وقد نقل كوجييف أن هيغل أعلن عن نهاية التاريخ بعد انتصار فرنسا النابوليونية على المانيا في معركة (يينا).

وهذا ما دفع كوجييف بدوره الى التأكيد على نفس الفكرة التي طرحها سلفه هيغل, فأعلن بذلك عن نهاية التاريخ, وأكتمال حلقاته المتسلسلة, عند بلوغ المجتمع النضج الفكري والإيديولوجي المتمثل أساساً في الاطروحة الليبرالية في الفكر والسياسة والإقتصاد والمجتمع, بل أن كوجييف اعتبر التاريخ توقف عند فرنسا النابوليونية بعد معركة يينا, على اعتبار ان الفكر الإنساني لم يتجاوز ما سطره فلاسفة الأنوار, وما حمله التطور العام في المجال الحقوقي والحريات الفردية بعد الثورة الفرنسية.

وبعد التحولات الجذرية التي طرأت على النظام العالمي بعد الحرب الباردة, وكذا على بنية العلاقات الدولية, التي رصدها فوكوياما خلال عام 1989, مع العلم ان الإلتحاد السوفياتي لم يتفكك إلا بعد هذا الوقت, بسبب رصده لبداية انحدار المعسكر الإشتراكي, وقد سمحت له وظيفته بوزارة الخارجية الأمريكية الإطلاع على هذا الموضوع.. وبعد ان تبين تفكك الإطار السياسي والتنظيمي للمعسكر الإشتراكي, جاء فوكوياما من خلال كتابه (نهاية التاريخ.. الإنسان الأخير) ليؤكد على الفكرة القديمة التي طرحها كل من هيغل وتلميذه كوجييف.

وقد اعتمد فوكوياما على تثبيت أطروحة نهاية التاريخ على مولفقه الوقائع والأحداث الدولية, لتلك الأفكار الفلسفية, التي طرحت في الزمن القيصري والعهد الجمهوري الفرنسي..

غير ان فرانسيس فوكوياما لا يخفي من خلال مقالته الشهيرة, هواجسه المتجسدة في نمو التيارات الدينية والعرقية في العالم خلال المرحلة الأخيرة (مرحلة النظام العالمي الجديد).. ولكنه سرعان ما يحاول تبديد هذه الهواجس, والتقليقل من شأن هذه التيارات على الصعيد المستقبلي للإعتبارت التالية:

- فبالنسبة للتيارات العرقية:

انطلق فرانسيس فوكوياما, من اعتبارها احدى التناقضات الكبرى غير القابلة للحل عبر الليبرالية, والتي بدات تتمظهر في شكل انبعاث قوي لاشكال من الوعي العرقي والسلالي او الاثني.

ولقد اقر فوكوياما بأن الحربين العالميتين لم تخلوا من هذا الوعي القومي, بل انه ربما كان له دور حاسم في تأجيج الصراع الدولي خلال تلك المرحلة.. إلا أن فوكوياما سرعان ما يرجع الى الوراء ليتناقض مع ما أقر به في البداية, حيث اعتبر من جديد انه ليس من الواضح تماما ما اذا كانت القومية تمثل تناقضا لا حل له في قلب الليبرالية..

ويرجع سبب استبعاد فوكوياما لعدم امكانية استيعاب الليبرالية للتيارات العرقية, الا ان الفكر القومي لا يمتلك هوية ايديولوجية محددة, وهذا ما يفسر سبب ائتلاف التيار القومي مع الايديولوجيات الكبرى كالتيار القومي الاشتراكي او التيار القومي الليبرالي, واخيرا القومي الاسلامي , فغياب البرامج السياسية عن معظم التيارات القومية.. وكذا جدول شامل لاي تنظيم اقتصادي – اجتماعي, يجعل من هذة التيارات قادرة مع التعايش مع عقائد وايديولوجيات تطرح مثل هذة البرامج, وبالتالي امكانية الاحتواء الايديولوجي لهذة التيارات.

واخيراً, يحاول فوكوياما اعطاء تفسيره الخاص لتطور النزاعات العرقية في عالم اليوم, حيث ارجع ذلك الى عدم اكتمال تطور الليبرالية, اذ الحدود القطرية القديمة اجبرت شعوبا على العيش في ظل نظم سياسية لا تمثلها ولم تقم هي باختيارها, وكذا لان المرحلة الراهنة, تتأطرضمن عنوان الليبرالية الاقتصادية العالمية, في حين ان الليبرالية تسير ببطىء بسبب تبعية البعد السياسي للاقتصادي, فلذلك يعلق فوكوياما امالا عريضة على الليبرالية السياسية في المستقبل لاستيعاب مثل هذة التناقضات القومية.

- وبالنسبة للتيارات الدينية:

يسجل فوكوياما ظاهرة نمو المسيحية والاسلامية والديانات الاسيوية القديمة, غير ان فرانسيس فوكوياما قلل من خطورة التيارات المسيحية باعتبار الفكر المسيحي, لايملك برنامجا عقائديا لبناء اجتماع مدني وسياسي مسيحي, وهو امرارتبط منجهة بطبيعة الرسالة المسيحية المرتكزة على مبدأ (ما لله لله وما لقيصر لقيصر), ومن جهة اخرى بطبيعة الصيرورة التاريخية التي حكمت العلاقة بين الكنيسة والمجتمع من جهة, وبين الكنيسة والسلطة السياسية من جهة ثانية..

وقد ذكر فوكوياما, ان انبعاث الديانات الاسيوية القديمة,لاتشكل اي خطورة, ما دامت هذه الديانات لا تحمل ابعادا اجتماعية وسياسية, ويمكن استيعابها ضمن الايديولوجية الليبرالية..

اما فيما يتعلق بنمو حركات الاحياء العقائدي ذات المضمون الاسلامي, فأن فرانسيس فوكوياما, اعترف بأن الدين الاسلامي هو الدين الوحيد الذي يمتلك برنامجا عقائديا يشمل كل مناحي الحركة الاجتماعية والسياسية, وبالتالي فان انبعاث هذة التيارات الاسلامية قد تشكل اكبر تهديد ايديولوجي للمنظومة الليبرالية, غير ان استيعاب هذة الظاهرة واحتوائها ضمن الصيغ الليبرالية في الفكر والحركة امر ممكن, واعتمد في اصداره هذا الحكم على مدى التفاعلات الايديولوجية التي شهدتها الجمهوريه الاسلامية في ايران من المرحلة الخمينية ذات الطابع المتشدد في علاقتها بالغرب, الى المرحلة الراهنة, حيث اخترقت الشركات الاجنبية ومظاهر الحياة اليبرالية الحواجز القديمة التي اقامتها الثورة الاسلامية في ايران, وهذه الملاحظة تحمل بالنسبة لفوكوياما دلالات مهمة تكمن في امكانية احتواء الخطاب الاسلامي ضمن أطر الخطاب والجهاز المفاهيمي الغربي..

وعموماً تشترك فلسفة ماركس وهيغل في مسألة أساسية وهي ان التاريخ يخضع لنظام الأسباب والمسسببات, وان كل ما يجري في هذا العالم, بما فيه افعال الإنسان, يتبع نظاماً محتوماً نابعاً من الخصائص الذاتية للمادة وحركاتها.

فتاريخ التطور الإنساني عبر التاريخ محكوم بالحتمية التاريخية والسنن القطيعية كتنازع البقاء واستمرار الأفوى.

غير ان فلسفة ماركس تختلف عن فلسفة هيغل لحركة التاريخ في ان هذه القوانين الثابتة التي تحكم حركة التاريخ مرتبطة صميمياً عند هيغل بمفهوم العقل, وهو مقهوم فلسفي يعبر به هيغل عن الذات الإلهية, أما بالنسبة لماركس فان هذه القونين الثابتة غير مرتبطة بعنصر خارجي ميتافيزيقي (الله).

ولذلك فاننا نستطيع ان نقول بأن القاسم المشترك في فلسفة التاريخ عند ماركس وهيغل هو مبدأ الجبر المتجسد في القوانين الثابتة لحركة التاريخ, في حسن ان المسألة الخلافية تتمثل في طبيعة التناقض الذي هو أساس القانون التاريخي هل هو مادي كما رأى ماركس, أم هو فكري كما ذهب الى ذلك هيغل, وأخيراً في مسألة العلة والمعلول فبينما يجعل هيغل الله أو العقل على حد تعبيره هو العلة, في حين ان القانون التاريخي هو المعلول, يذهب ماركس الى اعتبار القوانين الثابتة التي تحكم حركة التاريخ هي العلة, في حين تعتبر حركة المجتمع هي المعلول..

ولربما هذه هي الثنائية المحورية التي شطرت الفكر الغربي الى ان الفكر المثالي والفكر الواقعي, فقد زعم الفلاسفة المثاليون ان وجود الأشياء والأشخاص مرهون بوضعها داخل الصيغ والقوالب والإطارات العامة المطلقة التي تنشرها ملكة العقل على الأشياء والأشخاص, إلا ان الفلاسفة الواقعيين يردون على ذلك بأن الأشياء في الطبيعة قادرة من تلقاء نفسها – عن طريق علاقاتها بعضها ببعض – على إحداث تجمعات وتشكيلات واقعية يجدها العقل جاهزة أمامه, ذلك ان قدرة الطبيعة عندهم لا تقف عند حد ومن الصعب ان نبخسها حقها وقدرتها, ونلخق كل شيء بالعقل().

ولذلك فإن الفلسفة الغربية بشقيها المثالي والواقعي, نزعت من الفرد والمجتمع عنص افرادة والإبداع لتغيير مجرى التاريخ, وجعلت حركة المجتمع خاضعة بقوانين جبرية لحركة التاريخ, قي حين ذهبت الفلسفة الإسلامية في قسم كبير منها الى إخضاع حركة التاريخ لحركة المجتمع وليس العكس.. فغدت الفلسفة الإسلامية أكثر ثورية من غيرها, لأنها حررت الفرد والمجتمع من أسر البيئة وضغوطاتها, دون ان تلغي دور هذه الأخيرة في التأثير على الفرد والمجتمع.

وبصفة عامة, تمثل اطروحة نهاية التاريخ كفكرة ترمز لأنتصار أطروحة فكرية شاملة لصياغة المجتمع العالمي, القاسم المشترك بين كل التيارات الفكرية الأساسية في الفكر الليبرالي, الفر الإشتراكي, الفكر الإسلامي غير ان الأختلاف بين هذه التيارات يمكن أساساً في طبيعة الرؤية الخاصة لحركة المجتمع والتاريخ, وكذا في تحديد المصداق الخارجي للإيديولوجية المنتصرة, التي ستتوج مسيرة التطور التاريخي للإجتماع البشري.

فكارل ماركس تحدث عن نهاية التاريخ عندما يفرز التطور التاريخي لحركة المجتمع انبثاق المجتمع الشيوعي.. وثيغل تحدث عن نهاية التاريخ عندما انتصر نابوليون في معركة (يينا), فاعتبر أن هذا الإنتصار العسكري هو أخد تمظهرات الإنتصار الإيديولوجي.. أما الفكر الإسلامي, فهو يؤكد على ان مبدأ نهاية التاريخ عند انتصار اطروحته, والمتمثلة في عودة الإسلام لتشكيل المجتمع العالمي العادل على يد الإمام المهدي (عج) بأتفاق المسلمين سنه وشيعة, وسوف نترك الحديث عن الرؤية الإسلامية الخاصة في فلسفة التاريخ الى موضوع آخر من هذا البحث.

المبحث الثاني: مفهوم العولمة على ضوء (نهاية التاريخ)

ان اطروحة (نهاية التاريخ) لفرانسيس فوكوياما, تشكل المرجعية الفكرية والفلسفية لمفهوم (النظام العالمي الجديد) وكذا مفهوم العولمة, الذي طرح في سياق متأخر عن المفهوم الأول, ولذلك فهو أدق وأكثر صدقاً في التعبير عن جوهر النظام العالمي الجديد.

فمصطلح العولمة هو الترجمة العربية للمصطلح الفرنسي (La Mondialisation) الذي له أساس اشتقاقي هو العالم أي (Le Monde), وهو ما يعني ان الأتجاه لفرونكوفوني استطاع ان يفرظ هذا المصطلح بقوة في الخطاب الثقافي والسياسي العربي. في حين لم يفلح الإتجاه الأنجلوسكسوني في تركيز مصطلح (الكوكبة) الذي هو الترجمة العربية للمصطلح الإنكليزي (Globalization) الذي يحمل بين طياته أساساً اشتقاقياً هو.. (الكوكب) أي (Glob) ويثير مصطلح العولمة اشكالاً مفاهيمياً على صعيد اللغات الأجنبية وعلى مستوى اللغة العربية بالتحديد.. فمصطلح: عولمة صيغ على وزن قولبة, والقولبة في معناها العام ان تجعل للشيء قالباً, أو هي التنميط والصهر في بوتقه معينة.

واذا ربطنا هذا المعنى العام بالأساس الإشتقاقي للمصطلح وهو (العالم) نستطيع ان تخلص الى ان العولمة هي: (العمل على تنميط العالم وفق نموذج معين) أو هي: ( العمل على صهر العالم في بوتقة حضارية معينة).

وعلى ضوء ما قلناه ونقلناه من اطروحة (نهاية التاريخ) لفرانسيس فوكوياما, يمكن القول بأن العولمة هي العمل على تعميم النموذج الغربي, وتنميط العالم وفق هذا النموذج, وصهر كل الخصوصيات الثقافية والدينية والإجتماعية والإقتصادية لشعوب العالم في بوتقة النظام العالمي ذو المرجعية الليبرالية في الفكر والسياسية والأجتماع والرأسمالية على صعيد الإقتصاد..

كما يشير مصطلح العولمة الى انه تباين بين مفهوم (العولمة) ومفهوم (العالمية), فعلى مستوى الإصطلاح نعبر عن العولمة كما قلنا سابقاً بـ(Mondialisation) في حين نعبر عن العالمية بمصطلح (Mondiale).. وعلى مستوى المفهوم: العالمية توزيع مضمون معين على نطاق جغرافية العالم, وبالتالي فهو مفهوم يختزن أساس الحرية وعمق الحوار في توزيع ونشر المضامين الإيديولوجية عب العالم. في حين يختزن مفهوم العولمة كل أبعاد القسر ولإجبار, وهو ما توحي به مصطلحات: التنميط والصهر.

ونتساءل في هذا الصدد هل استعمال القوة في تعميم النمط الحضاري الغربي دليل على ذكره فرانسيس فوكوياما من ان الإجتماع البشري وصل الى ذروة نضجه الفكري, وأفرز صيغة نهائية للمجتمع والدولة وانتفى دور الصراع الإيديولوجي بهزيمة الفكر الإشتراكي ومن قبله الفكر النازي والفاشستي؟! ولعل الحضور القوي والمكثف لمفهوم الإكراه الإيديولوجي, يخفي بين طياته حالة سيكولوجية, مسكونة بهواجس الخوف من الآخر..

واذا تمعنى جيداً في اطروحة فرانسيس فوكوياما حول الجهه التي يمكن ان تشكل تحدٍّ حقيقي للنظام الغربي والمتمثل اساساً في حركات الإحياء الإسلامي فإننا نخلص إلى ان مفهوم العولمة يستهدف العالم بصفة عامة, والعالم الإسلامي بصفة خاصة, وبالتالي فإن الصرع الإيديولوجي بين الغرب والإسلام سوف يكون من اهم العناوين العريضة التي تأطر شعارات المرحلة المقبلة من تاريخ العلاقات الدولية ولو بشكل مضمر أو خفي.

ومن هنا يتضح لنا بجلاء مدى زيف الإدعاء بان الصراع الإيديولوجي قد اعلن عن نهايته, في حين ان الحقيقة هي انه تجدد شكله وطبيعته.

ولذلك, فاننا ندعوا الى ضرورة التدقيق في استعمال مصطلح العولمة, وعدم استعارته منهجياً للتعبير عن اتساع دائرة الرسالة الإسلامية, لوجود فوارق دقيقة تميز مفهوم (العالمية) عن (العولمة).

فالإسلام كرسالة عالمية, لم يعمل على الغاء خصوصية المجتمعات الثقافية والإقتصادية والإجتماعية, بل ان الحضارة الإسلامية استمدت قوتها من مدى التنوع الثقافي والإجتماعي الناجم عن اندماج مجتمعات ذات مواريث حضارية (يونانية, فارسية, هندية, عربية..) مختلفة, كما لم يفرض الدين الإسلامي على أهل الديانة المسيحية او اليهودية الدخول بالإسلام بالقوة, بل ان الإسلام فتح المجال للكافرين في الدخول مع المسلمين في عهود أو مواثيق تلتزم بموجبها الدولة الإسلامية بعدم التعرض لهم او استعمال القوة في مواجهتهم.

لذلك عمل الفقهاء المسلمون على تحديد اربع مجلات في العلاقات الدولية الإسلامية وهي: دار الإسلام – دار الحرب – المحايدون – المعاهدون..

- فأما دار الحرب:

فهم الأعداء الذين هم في حالة حرب مع المسلمين, فليس لهم عند المسلمين إلا الحرب من باب الدفاع ورد العدوان(6).

- وأما المحايدون:

فهم الذين ليسوا في حالة حرب مع المسلمين, ولا معاهدات, ولاعلاقات لهم مع المسلمين(7) فهولاء لهم السلام وعدم الإعتداء ماداموا على حالة الحياد, مع انفتاح كل المسلمين على كل بادرة لأنشاء علاقات صداقة وتعاون على اساس العدالة والتكافؤ, وقد قال الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين, ولم يخرجوكم من دياركم, ان تبروهم وتقسطوا اليهم والله يحب المقسطين}(8)

وايضاً توجد حالة أخرى للمحايدين وهي(ما اذا كان المسلمون في حالة حرب مع بعض أعدائهم وكان ثمة قوم آخرون لم يدخلوا هذه الحرب وكانت تربطهم بالمحاربين علاقات, ولكنهم تجنبوا الدخول في الحرب ضد المسلمين, فإن هولاء ايضاً يجري عليهم حكم الحياد من المسالمة)(9).

ويؤيد هذا الحكم الخطاب القرآني الموجه الى الأمة بالتكيف الشرعي.. {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}(10). – واما المعاهدون: فلهم مع المسلمون الوفاء الكامل والسلام الكامل, والتعاون على قاعدة المساواة والتكافؤ ويجب الوفاء للمعاهدين بعهودهم, ويحرم نقضها, والإخلال بها, ماداموا أوفياء من جانبهم(11).

وقد قال الله تعالى: {وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها, وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ان الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم}(12).

فمفهوم القوة في السياسية الخارجية الإسلامية, يرتكز على عمق الدفاع عن الذات ورد العدوان.. ولذلك فقاعدة السلم تغطي مساحات واسعة من السياسية الخارجية الإسلامية وفقاً لأحكام القرآن والسنة النبوية والإجتهادات الفقهية.

كما ان الإسلام لا يكره الناس على الاندماج في رسالته, وانما ينهج معهم أسلوب الحوار والمجادلة بالتي هي احسن, فالله تعالى يقول: {وجادلهم بالتي هي احسن..}(13) وكذلك يقول تعالى: {وادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم..}(14).

وكذلك قولة تعالى: {لااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..}(15) وقوله تعالى: {من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}(16).

- وأخيرا:

بعد استجلاء مفهوم العولمة على ضوء الاصطلاح والمرجعية الفلسفية التي تحكمه, وبعد بيان طبيعة العلاقات الخارجية في الاسلام مع غير المسلمين, نستطيع ان نقول بان (العالمية الاسلامية) هو المفهوم السليم للتعبير عن الإمتداد الجغرافي للرسالة الإسلامية, ونحذر من الإنجراف في متاهات التقمص النظري والإستنساخ الفكري الأعمى, على غرار تعاطي الكثير من المفكرين الإسلاميين مع شعارات (اشتراكية الإسلام) اثناء بروز القطب الأشتراكي في العالم, (والديمقراطية الإسلامية) بعد انتصار القطب الليبرالي بعد الحرب الباردة.. وذلك نقول: (ليس هناك عولمة اسلامية, انما هي عالمية اسلامية).

المبحث الثالث: المنظور القرآني لحركة التاريخ:

ان تدبر المعاني القرآنية, يدفع الى الإعتقاد بان النظرية القرآنية تؤكد على وجود قوانين ونواميس كونية لمسيرة التاريخ, فالله سبحانه وتعالى يدعوا الناس الى التفكر في حركة التاريخ: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق..}(17).

كما ان القرآن الكريم, عندما يتطرق الى الدروس والعبر التاريخية لا ينظر الى حركة الفرد والمجتمع فقط, وانما ايضاً يؤكد على تاريخ الأمم والجماعات البشرية بشكل عام, كقوله تعالى: {تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم لا تُسألون عما كانوا يفعلون}(18), وكذا قوله تعالى: {ولكل امة أجل فإذا جاء اجلهم لايستأخرون ساعة ولا يستقدمون}(19).

والجدير بالإشارة والتنبيه في هذا الصدد, هو ان الله سبحانه وتعالى في حديثة عن الأجل, كان يشير الى الأجل الجماعي لأمة بدلالة قوله: ولكل أمة أجل, وهو مايوحي الى مفهوم القانون التاريخي, اذ يقول تعالى: {ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض} وكذا قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين}(20) وفي آية اخرى قال تعالى: {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}(21), وأخيراً قول الله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون}(22).

ان كل هذة الايات وغيرها مما يسير في نفس الاتجاه, تؤكد على حقيقة اساسية وهي:

ان للتاريخ قوانين تحكمه وتسيره, وبذلك فالمدرسة الاسلامية تلتقي مع المدرسة الغربية في كون حركة التاريخ خاضعة لنظام خاص وقوانين ظاهرة وخفية..

إلا ان المدرسة الإسلامية ترفض جعل الفرد والمجتمع في خضوع تام لقوانين الطبيعة والمؤثرات البيئية والزمنية.. فالله سبحانه وتعالى يقول: {ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(23).

ولذلك نلاحظ مدى تشابك خط الارادة الانسانية مع خط الارادة الالهية, وهو ما ادى الى اختلاف كبير في استنطاق القران الكريم حول مسألة الارادة الانسانية والجبر الالهي على صعيد مدارس علم الكلام الاسلامي:

وتمثل فلسفة (أمر بين أمرين) العمق العقائدي لفلسفة التاريخ من المنظور القراني.. وقد استطاع الفكر الاسلامي المعاصر ان يمسك بهذة الحقيقة وخصوصا المفكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابة (السنن التاريخية في القران الكريم) وكذا المفكر الشهيد الشيخ مرتضى مطهري في كتابة (المجتمع والتاريخ)

فهذا الاخير ذكر ثلاثة قرانية عن سنن التاريخ وهي: (24)

1- الحقيقة الاولى: (اضطراد السنن التاريخية):

وهو ما يسمح بالقول بأن التاريخ يخضع لقانون, ويتسم بالطابع العلمي. فالله سبحانه وتعالى يقول: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} وكذا قوله تعالى: {ولن تجد لسنة الله تحويلا} وقوله: {لا مبدل لكلمات الله}.

2- الحقيقة الثانية: (ربانية السنة التاريخية):

دون ان يعني ذلك ان التفسير الاسلامي لحركة التاريخ هو تفسير لاهوتي, لوجود فوارق بينة بين الاتجاهين, فالتفسير اللاهوتي يتجاوز القوانين التي تحكم حركة التاريخ, كما يتجاوز الارادة الانسانية, في حين ان التفسير الاسلامي يقر بوجود سنن تاريخية, كما يعطي للفرد دورا اساسيا في خط المسؤولية وتحريك التاريخ..

3- الحقيقة الثالثة: (اختيارية الانسان):

فالانسان هو الذي يحدد مسارات التاريخ, وفق طبيعة اختياراته وصراعاته, وكذا وفق القيم التي يحملها لتحويل الواقع, فالله سبحانه وتعالى يقول: {ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} فتغيير المحتوى الداخلي للانسان كفيل بتغيير العمق الجماعي والشرط التاريخي..

وقد ذكر الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (قده) في كتابه (السنن التاريخية في القران الكريم) ان هناك ثلاثة اشكال للسنن التاريخية في القران الكريم: (25)

1) شكل القضية الشرطية:

وهي التي تربط بين حادثتين او مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية وتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء, وانه متى تحقق الشرط تحقق الجزاء. فالله سبحانه وتعالى يقول: {وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا} وكذا قوله تعالى: {واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} هذه تقابل اختيارية الانسان عن الشهيد مطهري.

2) شكل القضية الوجودية المحققة:

وغير القضية غير الخاضعة للشروط, اي لم تصغ بلغة القضية, وانما صيغت بلغة التنجيز والتحقيق بلحاظ مكان معين وزمان معين. هذه تقابل ربانية السنن التاريخية عند الشهيد مطهري.

3) شكل اتجاه طبيعي في حركة التاريخ:

وتتمثل في كون التاريخ يسير وفق حركة طبيعية لا على صورة قانون صارم حدي, فالعقاب الالهي بدوره قد يكون من سنن التاريخ نفسها, ولا يكون ذلك الا من خلال اضطراد السنن التاريخية, واصطباغها بطابع العلمية. هذه تقابل (اضطراد سنن التاريخية) عند الشهيد مطهري.

ومن هنا حركة التاريخ وفق المنظور القراني حركة متكاملة مع حركة المجتمع, بل ان القران الكريم يؤكد ايضا على البعد التفاعلي لحركة الفرد داخل حركة المجتمع, فالفرد يملك الارادة والقدرة على تغيير المجتمع, كما ان المجتمع يؤثر على حركة الفرد.. وحركة التاريخ هي التعبير المندمج عن حركة الفرد والمجتمع, وبما ان علاقة الفرد بالمجتمع هي علاقة تفاعلية وتكاملية, فان حركة التاريخ تتميز بالتحول الدائم, لكن في اطار الارتقاء الى العلة الغائية التي تحكم النشاط التاريخي, وهو تحقيق المجتمع المثالي المتطلع الى الكمال على وجه الارض.

ولا تتحقق هذة المسيرة الارتقائية الا من خلال التحرر التدريجي للانسان من ارتباطه ببيئته الطبيعية والاجتماعية, فكلما اتجه الانسان نحو ذلك, كلما اتجه ارتباطه بالعقيدة والايمان والايديولوجية, فهذة الاخيرة هي زاد الانسان في فك ارتباطة بالجبرية الطبيعية والاجتماعية, كما انها النتيجة الطبيعية التي يصل اليها الانسان بعد تحرره من هذة الجبرية حتى بواسطة وعيه العلمي والثقافي, ومن هنا تبرز النقطة الفاصلة بين الفلسفة الاسلامية والفلسفة الغربية, اذ تؤكد بعض مدارس الفلسفة الغربية على اصالة المادة, في حين يؤكد بعضها الاخر على مبدأ اصالة العقل, اما المدرسة الاسلامية فهي تؤمن بمبدأ (اصالة الروح) ونترك الخوض في هذا الموضوع الى بحث اخر.

الخاتمة

ان مفهوم العولمة على ضوء فلسفة التاريخ يهدف بالاساس الى ابراز الخلفية الفلسفيةالتي تحكم المفهوم, قصد التعاطي معه بدقه منهجية, كما ان هذا الموضوع يهدف اضافة الى ذلك الى تحريك النقاش والبحث في قضايا كلامية اسلامية, و تفعيلها على ارض الواقع, اذ ان علم الكلام الاسلامي يحتاج الى تحويلة من دائرة الجدل العقائدي الذي ظل حبيسا له لقرون, لكي يدخل الىالقضايا الحيوية والشاملة في الحوار الحضاري المنشود, ليعمق الخلفية الفكرية والفلسفية للحركة الاسلامية المعاصرة, ولتكون في قلب الواقع بعقل النص, وبعقل الواقع في قلب النص.

«الحق على ضفاف الخيال»1

أغسطس 7, 2010


الحديث عن أهل البيت «ع»، ليس كما قد يتوهّم الواهمون بكونه من السّهل اليسير، بل هو من الصّعب العسير، وقد صدق صادق آل البيت ع إذ قال: «إنّ أمرنا صعب مستصعب»، ولولا أنّنا نتوسّل الوسيلة في المعرفة، ونرتجي الفضيلة من وراء الذكر، لما خضنا عباب البحر، ولا كنّا في هذا البحث ممّن شمّر، ووسيلتنا في هذه المعرفة، باب مدينة علم رسول الله، أخوه في المؤاخاة، وزيره في الحياة، سيفه في الغزوات، وصيّه بعد الممات، عليّ بن أبي طالب عليه الصلوات. قلنا لعلي ونحن نستقبل قبره الشريف: يا علي، لقد أعيتنا المذاهب، وأصابنا في الفكر النّصب، وبلغنا التّعب كلّ التّعب، أيكون رسول الله رحيم هذه الأمّة، قد مضى لسبيله، ولم يكشف عنّا هذه الغمّة، ويكون قد بيّن لنا ما تكون به الهمّة، ويزول به الاختلاف بين الأمة؟! أقرأ باقي الموضوع »

حوار مع العربية نت

أغسطس 7, 2010
الإثنين 03 ربيع الثاني 1430هـ – 30 مارس 2009م

اعتبر التعبئة ضدهم كمحاربة خيط دخان

ناشط شيعي مغربي: لا طائل من محاربة التشيع.. وإيران غير متورطة

 


arabia
أحميدان اعتبر التشيع في المغرب أمراً طبيعياً بحكم حركية الأفكار وانتقالها

الرباط – حسن الأشرف، خديجة الفتحي

قال الباحث الشيعي المغربي عصام أحميدان في حوار مع “العربية.نت” إن حالة التشيع بالمغرب ليست سياسية ولا منظمة، وإنه لا جدوى من محاربته، نافياً أن يكون لإيران اي دور في نشر التشيع، ومؤكدا أنه من الصعب إحصاء عدد الشيعة في المغرب، وفيما تم إغلاق مدرسة عراقية أخرى في المغرب لم يؤكد بعد إن كان إغلاقها على خلفية محاربة التشيع في المغرب، بينما سخر المشرفون عليها من ربط المدارس العراقية بالتشيع. ويعتبر عصام احميدان الحسني مقرباً من العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وذكر في الموقع الالكتروني الخاص به أنه “كان مالكي المذهب بالوراثة، كما هو حال معظم الشعب المغربي، ثم انفتح على الحركة الإسلامية في سن مبكرة (14 سنة) وعاش في صفوفها إلى أن تحول إلى المذهب الجعفري”. وكان لبعض الكتب الشيعية الدور الأكبر في انتقاله إلى المذهب الجعفري، ويرجع الفضل في ذلك ـ وفق سيرته الذاتية ـ إلى الانفتاح الذي عرفه المغرب على الكتاب الشيعي.

نشاط فردي

وبخصوص حقيقة التشيع في المغرب قال عصام أحميدان الحسني لـ”العربية.نت” إن هناك تشيعاً لأفراد مغاربة في كثير من المدن المغربية، وذلك أمر طبيعي بحكم حركية الأفكار وانتقالها الذي لا يقبل الحصر والتنميط، مادمنا نعيش في عالم صغير تتحرك فيه المعلومة بسرعة فائقة عبر وسائط متعددة منفلتة عن قدرة السلطات على تأميمها”. أقرأ باقي الموضوع »


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.